فــــي التضــــامـــن السيــاســي

رعد أطياف

بينما تستثمر السلطة خطاب الفئات الاجتماعية الناقمة وتصبّه لصالحها بمزيد من التضامن مع جمهورها، ففي الجانب الآخر تبقى الفئات الناقمة بعيدة عن التضامن، وأعني به بالتحديد العمل التنظيمي. 
ما زال عموم العراقيين لا يستحسنون فكرة التنظيم، مفضّلين عليه انتماءاتهم الفرعية. إن الأجيال التي نشأت على الاستبداد طيلة أكثر من عقدين يصعب عليها تقبل العمل السياسي الحر إلّا بعد تجارب مريرة وصادمة. 
فنحن بانتظار جرح نرجسي من العيار الثقيل لكي نستفيق من هذا السبات الطويل. ثمّةَ أمل يلوّح في الأفق شاهدناها عند بعض التنظيمات السياسية الناشئة التي تحمل لواء تشرين. وبتسعة مقاعد نيابية استطاعت الأجيال الجديدة الوصول إلى قبة البرلمان، بعد أن كان هذا الأخير تهيمن عليه الأحزاب القديمة.
مع ذلك، ما زالت الساحة السياسية تفتقر إلى لاعبين جٌدُد يحركون الشارع السياسي بإيقاع جديد خارج الأنماط الرتيبة التي صادفتنا سابقاً. فالمقاعد التسعة، رغم أهميتها، لا تكفي لتوليد إمكانيات جديدة في العمل السياسي ما لم تتحول التنظيمات الجديدة، مستقبلاً على الأقل، إلى قوى مهيمنة.
نحن بحاجة إلى حاضنة شعبية تضفي المشروعية على التنظيمات السياسية الواعدة، لا سيما الأحزاب التي تحمل شعار تشرين. في هذه المرحلة بالذات تتعطّش الساحة إلى فاعلين سياسيين يحركهم دافع حرية التفكير وليس حرية التعبير. فلهذه الأخيرة جمهور عريض وحرس قديم، قوامه التذمّر، والعدمية، والتقلب، والظهور الموسمي في الأحداث المفصلية، لكن سرعان ما يرجع لزواياه المنسية.
 على سبيل المثال، يجاهر الكثير بالتنديد بالفساد، كما لو أن هذا التنديد، بمعزل عن العمل التنظيمي المُعَقْلَن، سيفضي إلى شيء مهم، ونحن نعلم جيداً أن الحد الأدنى فيه هو تنفيس عن المكبوت، ومحاولة التقليل من خيبات الأمل عن طريق البوح مع الآخرين، أو مع أنفسنا!. 
الانشغال بتفريغ الشحنات لا يرقى حتى لمستوى الترويح النفسي فما بالك بالترويح الاجتماعي أو السياسي؟.
 نكتب هذا مع علمنا بعدم تقبل الطروحات العقلانية، ونعلم مدى كمية النفور التي يبديها الكثير من الأخوة ضدها. وآخر ما نحتاجه هو التهكم والنفور واللا أبالية.
صدقوني أن التذمر والاستياء والتهكم لا يصنع حاضنة شعبية على الإطلاق. وهذا عمل سياسي وليس منازعات عشائرية.
 أضرب لكم مثلاً، أن وصف السلطة بأنها فاسدة يشبه قولنا إن الأرض جسم كرويّ!. ما نحتاجه هو عبور حالة الوصف والعمل على تأسيس شبكة علاقات قائمة على العمل المؤسساتي. وأن يكون رائدنا الأول والأخير هو التضامن السياسي.

قد يعجبك ايضا