حرب المختبرات

علي حسن الفواز
ما يثير في الحربِ هو خروجها عن سيطرة الدول، ودخولها في فوضى الجماعات، وتحولها إلى حرب مفتوحة يختلط فيها القومي والآيديولوجي والارتزاقي، وهذا ما يعني وضع الجميع أمام صراعات مفتوحة، لا تعيدنا إلى “الحرب الباردة” ولا “الحرب الساخنة” بل تدفعنا إلى رعب حروب المختبرات وعدوى الفايروسات المسلحة.
نشر معلومات عن مختبرات بايولوجية في أوكرانيا، وتوظيفها لجهات مخابراتية، يكشف عن واقع سوداوي يتجاوز حديث الحرب التقليدية، وحرب الحدود والجبهات المتقابلة، إلى حرب عابرة للقارات، على مستوى استراتيجي يخصّ الأهداف والوظائف وأنماط السيطرة، أو على مستوى تاريخي يعيدنا إلى ذاكرة معاهدة وستفاليا في القرن السابع عشر، التي أنهت الحروب “الدينية” وأسست لمفهوم الدولة الأوروبية الحديثة.
خطورة ما يجري عند الجبهات الأوروبية الساخنة، ينعكس عبر تمثلاتها المرعبة، وفي ما يمكن أن تُثيره من أسئلة فاجعة، حول تحولها إلى حرب مختبرات، أو إلى حرب قومية ودينية بين الروس وغيرهم، أو السلافيين وغيرهم، والأرثوذوكس وغيرهم، التي ستستجلب لها جيوشا مدربة خاضعة للأنظمة المركزية، وجماعات محكومة بالعقائد والآيديولوجيا والمال وخاضعة لجهات ومؤسسات، وحتى إلى أجهزة مخابراتية عالمية.
دول حلف الناتو تتمترس حول مركزيتها القديمة، وأوهام حداثتها، وتعمل على ممارسة لعبتها في الحصار والعقوبات، وتدعو إلى التطوّع العالمي للمشاركة في الحرب الأوكرانية، مقابل ذلك يلجأ الرئيس الروسي إلى سياسة الرد العسكري والاقتصادي والتقني، مثلما يوافق على دخول المتطوعين من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا للمشاركة في حربها المفتوحة.
ما بين هذا وذاك سيكون العالم أمام واقع هو الأقرب للفنطازيا، فطبيعة الأرض الواسعة المفتوحة للحرب، وطبيعة الأسلحة الفتاكة المُستخدمة فيها، يرسمان نوعا من التأطير الملحمي لها، عبر الغلو بالكراهية، والثأرية، وعبر تنابزات وخطب وسياسات تتجاوز القانون الدولي، والأعراف والمواثيق الحاكمة في برامج الإعلام والرياضة والثقافة، لتفصح عن رثاثة “الحداثة” و”العولمة” و”النظام العالمي الجديد”، وهي توصيفات إشكالية تفضح الأعطاب الأخلاقية للمركزيات الكبرى، وازدواجية معاييرها، وسوء إدارتها لـ”القرية الكونية” التي تحدث عنها عالم الاجتماع الكندي ماكلوهان، إذ قوّضت هذه الحرب عالميتها، مثلما أفقدتها حكماءها الذين باتوا أكثر خوفا من سلطة الزر النووي، وشفرات المختبر البايولوجي.