جدران

حميد المختار

ربما بدأت علاقة الإنسان بالجدران منذ بدايات الخليقة وخصوصاً حيث عاش الانسان البدائي بداياته في الكهوف، لذلك نقل ودوّن مخاوفه وصلواته وأدعيته ويومياته على جدران تلك الكهوف، ومن هنا وحين بدأ الانسان يفكر ببناء بيت صغير له ولأسرته صار يبني الجدران العازلة لتحميه من الآخر وتستر أسرته وتحافظ على خصوصيته، وحين أراد أن يديم صِلاته بالمجتمع والآخر ويبتعد عن الانعزال كلياً فتح الباب والنافذة وصارتا وسيلة لعلاقة ما، فضلاً عن أنهما يُبعِدانه عن العزلة التامة والانطواء. بقيت الجدران ردحاً طويلاً من الزمن خارجية تماماً وانتقلت من صناعة وبناء البيوت إلى بناء المؤسسات الحكومية والقصور السلطانية والقلاع العسكرية والمعسكرات وذخائر الأسلحة، ثم تنوعت أسماء الجدار بتنوع وظائفه فصار؛ (الحائط، الحاجز، السور، السياج، الأسلاك، الساتر، الستارة، القضبان، الحجاب، الحدود، الحصن، الخندق والحصار)، كما عددها وسماها المؤلف (بدر عبد الملك) في كتابه (الانسان والجدار)، ثم تولدت مفردات لغوية أولدها الجدار ذاته مثل مفردات (الداخل والخارج، التسلق، العبور، الهدم، البناء، العالي، العازل، الاختراق، الحد الفاصل)، ثم بدأت الحضارات الانسانية تَتْرى على وجه البسيطة لتأتي مرحلة خطيرة من التطور الانساني فهربت مفردة الجدار من الخارج إلى الداخل وتحول الجسد الانساني إلى كيان وبيت تملؤه الجدران العازلة ثم تولدت مفردات الغربة والاغتراب سواء الداخلي أو الخارجي، كل هذا أتى حين دخل الجدار المعترك السياسي وصار يشبه الفصل العنصري والديني، فعلى الصعيد الديني مثلاً نرى التجمعات اليهودية لا تتم إلا بأسوار وحصون فكان المعتقد الاسرائيلي قديماً يقول من خلال الحدث التوراتي: «إن كل ما هو داخل الحصون والأسوار هو للاسرائيليين في اطار مملكتهم وكل ما هو خارج الأسوار ليس تابعاً للممالك اليهودية، ثم انتقل مفهوم الجدار إلى (الديني – الجنسي) خصوصاً في سفر نشيد الانشاد: «لو كان سوراً لبنينا عليه صرحاً، ولو كان باباً لدعمناه بألواحٍ من أرز، أنا كَسور ونهداي كبُرجين، حينئذ صرت في عينيه كاملة «نشيد الانشاد 8 /10، لهذا لم يتورع اليهود في بناء جدار الفصل العنصري حين أقامته سلطات الاحتلال للفصل بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وعلى هذا الغرار ولأجل الفصل والعزل السياسي شُيّد أيضاً (جدار برلين)، وكذلك الأمر سور الصين العظيم الذي أُنشئ كمشروع دفاعي متكامل من أجل الحماية والدفاع عن الأراضي الصينية، فهو يتكون من جدران تم تصميمها بشكل دفاعي محكم ومجموعة من أبراج المراقبة وأبراج الانذار، لذلك لعب سور الصين دوراً عسكرياً مهماً في الدفاع عن ممتلكات الشعب الصيني.
واستمرت الرموز الدينية الخاصة بالجدار وصولاً إلى حائط المبكى الذي كان يسمى (حائط البراق)، لكن الخطورة الحقيقية في توظيف مفهوم الجدار حين دخل الذات الانسانية وخرج منها على شكل رموز وأفكار توزعت بين نصوص الشعر والقصة والرواية والفن التشكيلي والسينما والدراما التلفازية والأمثلة كثيرة على ذلك منذ فيلم (الجدار) للمخرج البريطاني (ألان باركر) الذي نهج فيه منهجاً تجريبياً خالف في وقتها الأعراف السينمائية العالمية، لقد تحول الجدار إلى حامل لرموز وشيفرات أناس بسطاء حين ينقلون رسائلهم إلى حبيباتهم على صفحات وجوه الجدران في المدارس، وثَم رسائل الغاضبين من الحكومات وهم يعلقون منشوراتهم، وكذلك فعل الشواذ جنسياً وكتبوا ما ينفسون به عن رغباتهم الجنسية على جدران المراحيض العامة. وفي الختام يبقى الجدار حاملاً لأوجه عدة فهو رمز ومفتاح ومتن وهامش وحياة سرية كاملة تحكي عن هم وفكر وسر الانسان في كل مكان وزمان.