المنصب لمن يستحقه

حراكٌ سياسيٌّ، جولاتٌ مكوكيَّة، مبادرات، لقاءات حول شكل الحكومة، وهي مسألة ليست بحاجة الى هدر كل هذا الوقت في مناقشة (بديهية) هي البرهان ولا تحتاج الى إثبات وتشكل قاعدة لما يأتي بعدها من استنتاجات منطقية.
الديمقراطية تعني حكم الأغلبية، ليس أغلبية الشعب بل الشعب كله ممثل في البرلمان، لكن اغلبية سياسية، فيعهد الى طرف سياسي يحصل على أعلى الأصوات بتشكيل الحكومة وادارة شؤون البلاد لمدة معينة، فلا توجد في الديمقراطية البرلمانية حكومة توافق يدخل الجميع فيها، هذه حالة غريبة وشاذة، بل تتشكل حكومة الاغلبية النيابية من قبل حزب أو مجموعة أحزاب تشكل الاغلبية في عدد المقاعد لكي تضمن تمرير برامجها بأريحية، ويذهب الاخرون الاقل عددا الى المعارضة لمراقبة القرارات واداء الحكومة ومحاسبتها. إن من يأتي بالاصوات الاكثر يشكل الحكومة وهذا ما معمول به في العالم، بما في ذلك أمريكا وبريطانيا على سبيل المثال.
وفي هذه الحالة تتحقق جملة أهداف في آن واحد، حكومة قوية وبرلمان قوي ومعارضة قوية تعد نفسها للفوز في الانتخابات المقبلة من خلال أدائها النيابي والرقابي العالي.
وجود معارضة قوية يغلق الباب بوجه الفساد ويجبر الحكومة على اختيار العناصر الكفوءة للادارة، وبذلك تضمن ذهاب المنصب لمستحقه كما هو الصوت عندما يذهب لمن يستحقه أيضا، وتغلق بورصة بيع المناصب التي ترددت كثيرا في الاعلام في مواسم تشكيل الحكومات، وطواها النسيان ولم يقف المواطن على حقيقتها، وبذلك تتحقق عملية التداول السلمي للسلطة بحق وحقيقة وتنظيم الانفاق وسد المنافذ بوجه الفساد وهدر المال العام.
ونظرة سريعة الى حال البلاد على مدى السنوات الماضية تكشف عن هذه الحقيقة، ومستوى ما قدم من خدمات، وهل تساوي ما صرف من رواتب وامتيازات وحمايات على المناصب.
إن عدم إشغال المناصب العليا من عناصر كفوءة ومقتدرة، بسبب المحاصصة جعلها في مأمن من المحاسبة أمام الحكومة، وليس بإمكان رئيسها محاسبتها، أو تبديلها الا بالرجوع الى كتلهم.
 ويمكن أن ينسحب الأمر على المناصب الدنيا ايضا عندما تُشغل من عناصر ليست لها علاقة باختصاص المنصب، ولا بالكفاءة التي ينبغي توفرها في الاداء ليرتقي الى مستوى المهمة الوطنية، والسياقات المهنية.
حكومة الاغلبية ليست حالة جديدة ولا غريبة بل هي تجربة عالمية لا تشترط اشتراك الجميع، لكي يضمن الشعب محاسبتها وتحديد جهة معينة اذا ما قصرت بدل التهرب من المسؤولية بحجة مشاركة الجميع فيها، كما حصل مع الحكومات السابقة وتحميل المواطن ثمن الفشل من ماله وفرصه في الحياة المناسبة ومستوى الخدمات المقدمة اليه.
حكومة الاغلبية لا تعني شيئا، وتبقى مجرد شعار سياسي لا أكثر إن لم يكن هناك برنامج سياسي واضح وحركة اصلاح حقيقية في الدولة وادارتها، خاصة في المفاصل الاساسية التي شغلت على مدى السنوات الماضية على أساس التوافقات وتقاسم الوزارات والمؤسسات واشغالها من عناصر لم تكن بمستوى المهمة ومواصفات الموقع من حيث الكفاءة والنزاهة والاختصاص وتقديم الخدمات لعموم البلاد وللمكون، الذي تدعي تمثيله ومكافحة الفساد نزولا الى الحلقات الدنيا في المؤسسات بما يضمن تقديم افضل الخدمات، خاصة في المرافق الاساسية كالكهرباء- على سبيل المثال ليس الى المنازل والمكاتب فقط، بل الى المصانع والمزارع كذلك لتحقيق انتاج ينعكس على العمل وتشغيل العاطلين. بخلاف ذلك يزداد الوضع سوءا وينعكس على الاحزاب وعلاقتها مع المجتمع بما لا تتمناه، باختصار الديمقراطية ليست وسيلة للوصول الى السلطة بحد ذاتها وانما هي وسيلة لتنفيذ برامج جرى على اساسها اختيار هذا الطرف وابعاد ذاك، وتخضع للفحص والمراقبة من خلال مجلس النواب، وسيكون المجلس ضعيفا ان غابت المعارضة فيه، فلا ديمقراطية حقيقية بلا ثنائية متلازمة، حكومة ومعارضة لبناء دولة المواطنة، وليس المحاصصة على اساس التوافق والمكونات.

قد يعجبك ايضا